الجودية تعوض غياب العدالة الرسمية في مخيمات دارفور وشرق تشاد
وساطة أهلية في ظل فراغ قضائي
أفادت الجزيرة نت بأن آلية «الجودية» باتت ملجأ رئيسياً لآلاف النازحين واللاجئين السودانيين في مخيمات دارفور وشرق تشاد، في ظل غياب المحاكم الرسمية والشرطة والسجون عن هذه البيئات.
وفي مخيم أردمي للاجئين السودانيين بشرق تشاد، تُعقد جلسات الوساطة داخل سقيفة بسيطة بناها اللاجئون، حيث ينظر رجال من المخيم في نزاعات يومية، بينما تراقب نساء الجلسات من بعيد بسبب قيود اجتماعية تحد من مشاركتهن المباشرة.
كيف تعمل الجودية؟
بحسب باحث التراث والتاريخ في دارفور الدكتور إبراهيم سعد، فإن الجودية نظام تقليدي للوساطة والمصالحة، يقوده «الأجاويد»، وهم وسطاء من كبار السن وذوي الخبرة، ويقبل بهم أطراف النزاع بوصفهم محايدين.
وأوضح سعد، وفق الجزيرة نت، أن الجودية ليست محكمة نظامية ولا تتبع إجراءات قضائية رسمية، بل تقوم على التحكيم التوافقي بهدف الوصول إلى تسوية، وقد تنتهي بخدمة مجتمعية أو غرامة أو تعويض، وقد تشمل الدية أو تعويض الخسائر المادية.
وتتكون لجان الجودية، وفق المصدر، من أشخاص نازحين أو لاجئين يقيمون في المخيمات نفسها، يرشحهم السكان ويتطوعون دون مقابل، وغالباً ما يكونون من قيادات المخيمات أو المفوضين بإدارة شؤون سكانها.
نزاعات يومية بلا مؤسسات رسمية
نقلت الجزيرة نت عن خليل آدم دوسة، وهو عضو في لجنة الجودية بمخيم أردمي، أن اللجنة تدخلت في خلاف بين شابين بسبب مكان في السوق، قبل أن يتسع النزاع بين أسرتيهما، وتمكنت من احتوائه عبر جلسة مشتركة.
وقال موسى آدم عثمان، أحد أعضاء لجنة الأجاويد في أحد مخيمات النازحين بدارفور، بحسب المصدر، إن أعضاء اللجان يعملون بلا أجر ولا مكاتب ولا سجلات ولا قوة تنفيذ، ويعتمدون على ثقة الناس بهم لتفادي الفوضى.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، توقفت المحاكم الرسمية في معظم مناطق دارفور عن العمل، بينما لا تتوافر في مخيمات شرق تشاد التي تستضيف أكثر من 900 ألف لاجئ سوداني محاكم نظامية أو شرطة أو مؤسسات عدالة رسمية، وفق ما أوردته الجزيرة نت.
قيود أمام النساء والجرائم الكبرى
رغم دور الجودية في تسوية الخلافات اليومية، تشير إفادات نقلتها الجزيرة نت إلى أنها تواجه حدوداً واضحة، خصوصاً في التعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي شهدها الإقليم.
وقال مصطفى بره، رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية بدارفور والمقيم في مخيم أردمي، إن الجودية يمكن أن تعالج مشاجرة أو خلافاً على أرض، لكنها لا تستطيع محاسبة المسؤولين عن جرائم واسعة النطاق، معتبراً أن ذلك يحتاج إلى قضاء دولي أو محاكم خاصة.
كما تواجه النساء، وفق المصدر، صعوبات إضافية في الوصول إلى العدالة داخل هذه الآلية، إذ تمنعهن التقاليد من المشاركة المباشرة في الجلسات، وتبقى القرارات في يد الوسطاء الرجال. ونقلت الجزيرة نت عن الناشطة سامية آدم أن قضايا الاعتداء على النساء قد تُغلق بالتعويض دون محاكمة أو عقوبة سالبة للحرية.
مطالب بمحاكم خاصة
رغم اعتماد اللاجئين والنازحين على الجودية في إدارة شؤونهم اليومية، يطالب بعضهم بإنشاء محاكم خاصة بدارفور للنظر في الجرائم الكبرى. وبحسب مصطفى بره، تشمل الأولويات تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وتأسيس محاكم عادلة وشفافة تخضع لرقابة الضحايا، إلى جانب لجان مختصة بإعادة الأراضي والمزارع إلى أصحابها.
وتعود الجودية، وفق الجزيرة نت، إلى تقاليد قديمة في دارفور ارتبطت بنظام الإدارات الأهلية، الذي أعادت بريطانيا تشكيله في عشرينيات القرن الماضي بعد ضم دارفور إلى السودان عام 1916، وقد استخدمت تاريخياً في الصلح ودفع الدية واحتواء نزاعات قبلية طويلة.
المصدر: الجزيرة نت



