إعادة إعمار غزة عالقة بين الركام والتمويل والقيود السياسية
مبادرات فردية وسط تأخر الإعمار
أفاد تقرير للجزيرة نت من غزة بأن بعض السكان بدأوا إزالة أنقاض منازلهم بأدوات بسيطة، في ظل تعثر عملية إعادة الإعمار منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ومن بين هؤلاء الشاب الغزي أحمد مراد، الذي شرع في رفع ركام منزل عائلته في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، بعد أن رأى أن انتظار الإعمار لم يعد خيارا ممكنا. وبحسب التقرير، عمل مراد على مدى 10 أيام مع فريق من العمال لإزالة جزء من السقف الخرساني لبناية أسرته التي كانت تتكون من ثلاثة طوابق.
وقال مراد للجزيرة نت إن هدفه ليس بناء منزل جديد في هذه المرحلة، بل تهيئة مساحة تسمح بجمع أفراد أسرته المشتتين. وذكر التقرير أن والده، وهو مشلول، يقيم في خيمة مع ابنته الأرملة وأطفالها، بينما يعيش شقيقان له في منطقتين مختلفتين داخل القطاع. كما يحاول مراد استئناف مصدر رزقه عبر إعادة فتح محل الحلاقة الخاص به.
أرقام كبيرة للدمار والركام
بحسب خبير البنى التحتية وإعادة الإعمار ناجي سرحان، يقدّر حجم الركام في قطاع غزة بنحو 68 مليون طن، أزيل منها أكثر من مليون طن. وأوضح للجزيرة نت أن نحو 330 ألف وحدة سكنية دمرت بالكامل، وأن 80 ألف وحدة أخرى تضررت بشدة ولم تعد صالحة للسكن، من أصل نحو 480 ألف وحدة في القطاع.
وأضاف سرحان أن الأضرار طالت أكثر من 3 آلاف كيلومتر من الطرق، وما يزيد على ألف كيلومتر من شبكات المياه والصرف الصحي. وبناء على تقديرات قال إنها تستند إلى تقارير دولية، تبلغ الاحتياجات الإجمالية لإعادة إعمار القطاع نحو 71.4 مليار دولار، بينها 35.2 مليار دولار تتعلق بالأضرار المباشرة.
وأشار التقرير إلى أن حجم الاحتياجات لا يعني توفر التمويل اللازم، إذ لا تزال مشروعات إعادة بناء المنازل وتأهيل البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية متوقفة، فيما تقتصر التدخلات الحالية على فتح بعض الطرق وإزالة أجزاء من الركام وإصلاح خدمات محدودة.
تمويل محدود وقيود على المواد
قال المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة للجزيرة نت إن تدفق الأموال المخصصة للإعمار يكاد يكون غير موجود. واعتبر أن ما يجري حاليا يقتصر على إصلاحات جزئية وتدخلات إغاثية مؤقتة، ولا يمثل بداية لإعادة إعمار شاملة تتناسب مع حجم الدمار.
وبحسب الثوابتة، فإن التعهدات المالية المعلنة لم تتحول إلى تنفيذ ملموس يواكب احتياجات السكان، مما يبقي ملف إعادة بناء المنازل والبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية الكبرى معلقا.
وذكر الثوابتة أن التمويل وحده لا يكفي، لأن القيود على المعابر والتحكم في حركة البضائع يعرقلان إدخال مواد البناء الأساسية، مثل الإسمنت والحديد، إضافة إلى المعدات الثقيلة والوقود اللازم لتشغيل الآليات. وأضاف أن نقص الآليات والوقود يؤثر في فتح الطرق وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، ويترك الأنقاض داخل الأحياء بما يزيد المخاطر الصحية والبيئية.
مدينة غزة نموذج للمعوقات
قالت بلدية غزة للجزيرة نت إن نحو 85% من معداتها دمرت خلال الحرب، الأمر الذي دفعها إلى استئجار معدات من القطاع الخاص رغم ارتفاع الكلفة وشح الوقود والزيوت وقطع الغيار وصعوبة إدخال آليات جديدة.
وتقدر البلدية حجم الركام في مدينة غزة وحدها بنحو 25 مليون طن، بينها 2.4 مليون طن داخل الشوارع. كما تقدر أن نحو 900 ألف طن ما زالت في شوارع المدينة. وبحسب تقديرها، فإن إزالة هذه الكمية من الشوارع فقط قد تستغرق نحو 180 يوما إذا توفرت قدرة تشغيلية ثابتة تسمح بإزالة 5 آلاف طن يوميا، مع توفر المعدات والوقود واستمرار العمل دون توقف.
ولا يشمل هذا التقدير، وفق ما ورد في التقرير، ركام المباني الذي يحتاج إلى معالجة أوسع، ما يجعل مهمة الإزالة مرتبطة بقدرات تشغيلية وتمويلية أكبر.
البعد السياسي لإعادة الإعمار
يرى ناجي سرحان أن المرحلة الحالية لا تصل إلى مستوى إعادة الإعمار، بل تبقى ضمن نطاق الإغاثة وفتح الطرق وإزالة الركام وإصلاح بعض الخدمات. وقال إن الانتقال إلى البناء يتطلب تمويلا وآليات ومواد بناء، إضافة إلى استقرار سياسي وخطة واضحة تحدد الأولويات.
من جهته، قال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم للجزيرة نت إن أزمة الإعمار لا تتعلق فقط بالمال والمعدات، بل ترتبط أيضا بالجهة التي ستدير العملية وتحدد أولوياتها وتشرف على تنفيذها، وبمن يملك القرار بشأن شكل غزة في المرحلة المقبلة.
وأضاف إبراهيم أن استمرار الخلافات السياسية والأمنية، إلى جانب السيطرة الإسرائيلية على المعابر والتحكم في إدخال المواد والمعدات، يعقّد الانتقال من التدخلات الإغاثية إلى إعادة البناء. كما حذر من أن ربط الإعمار بشروط سياسية وأمنية قد يؤدي إلى عملية جزئية وانتقائية لا تستجيب بالضرورة لاحتياجات السكان.
وبين المبادرات الفردية، والتعهدات التي لم تتحول إلى تدفق فعلي، والقيود المفروضة على المواد والمعدات، يبقى ملف إعادة إعمار غزة معلقا، بينما يواصل السكان التعامل يوميا مع آثار الدمار والنزوح.
المصدر: الجزيرة نت



