ملفات إبستين تعيد فتح نقاش فرنسي حول علاقاته بباريس ومواقف ثقافية قديمة
نشر ملفات إبستين وتفاعل فرنسي
أفاد المصدر بأن وزارة العدل الأميركية نشرت في 30 يناير/كانون الثاني 2026 أكثر من 3 ملايين صفحة من ملفات رجل المال الأميركي جيفري إبستين، الذي أُدين عام 2008 باستدراج قاصر لممارسة الدعارة، ثم توفي في زنزانته بنيويورك عام 2019 بينما كان ينتظر محاكمته في اتهامات تتعلق بالاتجار الجنسي بقاصرات.
وبحسب ما ورد، كشفت الملفات عن شبكة علاقات امتدت إلى دوائر السياسة والمال والجامعات والفنون، بينها علاقات ارتبطت بجزيرته الخاصة في جزر العذراء الأميركية. وتعاملت صحف فرنسية في البداية مع الملف بوصفه فضيحة تخص الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن يتوسع النقاش داخلياً.
الموقف الرسمي والتحذير من التضليل
قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 9 فبراير/شباط إن القضية تخص الولايات المتحدة أساساً، داعياً القضاء الأميركي إلى القيام بدوره، ومحذراً من نظريات المؤامرة. وذكر المصدر أن وكالة حكومية فرنسية معنية بمراقبة التدخلات الرقمية رصدت حملة تضليل مرتبطة بروسيا نسبت إلى ماكرون وثائق مزورة غير موجودة في الملفات.
كما أشار المصدر إلى تداول فرضيات إعلامية وسياسية بشأن صلات مزعومة لإبستين بأجهزة استخبارات أجنبية. ونسب إلى منظمات يهودية أميركية، منها رابطة مكافحة التشهير، اعتبار بعض الطروحات مدخلاً لنظريات معادية للسامية، فيما أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك فتح تحقيق في احتمال ارتباطه بروسيا من دون تقديم دليل، وهو ما سخر منه الكرملين.
تحقيقات في فرنسا وعلاقة إبستين بباريس
لم تقتصر صلة إبستين بفرنسا على زيارات عابرة، إذ ذكر المصدر أنه اشترى عام 2001 شقة كبيرة في جادة فوش بباريس وكان يقيم فيها مرات عدة سنوياً حتى اعتقاله. وبعد وفاته في 10 أغسطس/آب 2019، لم تفتش الشرطة الفرنسية الشقة إلا في 23 سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
وتطرق المصدر إلى جان لوك برونيل، مؤسس وكالة لعارضات الأزياء، الذي اعتقل في ديسمبر/كانون الأول 2020 بتهم اغتصاب قاصرات، ثم عُثر عليه مشنوقاً في زنزانته في فبراير/شباط 2022، وأُغلق ملفه في يوليو/تموز 2023 من دون محاكمة. وفي 14 فبراير/شباط 2026 أعلنت نيابة باريس إعادة تحليل الملف كاملاً، وقالت إن برونيل استدرج فتيات من أسر فقيرة بوعود العمل في عروض الأزياء، وإنه ارتكب اعتداءات جنسية بحق قاصرات في الولايات المتحدة وجزر العذراء وباريس وجنوب فرنسا.
جاك لانغ وكارولين لانغ
ورد اسم جاك لانغ، وزير الثقافة والتعليم الفرنسي الأسبق، في الملفات مئات المرات بحسب المصدر. ونقلت صحف فرنسية أنه طلب من إبستين أموالاً وخدمات، بينها استخدام سيارة وطائرة خاصة، كما أقر بأنه طلب نحو 58 ألف دولار دُفعت إلى جمعية تعمل على إنتاج فيلم عن سنوات لانغ وميتران.
وذكر موقع ميديابارت، وفق المصدر، أن كارولين لانغ، ابنة الوزير الأسبق، تملك نصف أسهم شركة خارجية أنشأها إبستين عام 2016 في جزر العذراء، وأن اسمها ورد في وصيته بمبلغ 5 ملايين دولار. واستقالت كارولين لانغ في 2 فبراير/شباط من منصبها في نقابة الإنتاج المستقل، ثم فتحت النيابة المالية الوطنية في 6 فبراير/شباط تحقيقاً أولياً معها ومع والدها بشبهة غسل أموال متأتية من تهرب ضريبي مشدد.
وبعد ذلك بيوم، استقال جاك لانغ من رئاسة معهد العالم العربي في باريس، الذي كان يترأسه منذ 2013، تحت ضغط الإليزيه بحسب المصدر. ونفى لانغ جميع الاتهامات، وقال إنه لم يكن يعلم شيئاً عن جرائم إبستين. كما أشار المصدر إلى أن الملفات لا تتضمن ما يفيد تورطه أو تورط ابنته في الجرائم الجنسية.
قضية الدبلوماسي فابريس عيدان
ظهر اسم الدبلوماسي الفرنسي فابريس عيدان، الذي عمل منتدباً لدى الأمم المتحدة بين عامي 2006 و2013 مستشاراً للدبلوماسي النرويجي تيري رود لارسن. وبحسب رسائل اطلعت عليها وكالة رويترز، أرسل عيدان إلى إبستين بين عامي 2010 و2016 إحاطات لمجلس الأمن ووثائق أممية سرية.
ونقل ميديابارت، وفق المصدر، أن مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي أبلغ الأمم المتحدة عام 2013 بأن عيدان تصفح مواقع تعرض اعتداءات جنسية على أطفال. وقال جيرار آرو، سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة حينذاك، إنه أمر بإعادته إلى باريس فور علمه بالتقرير. ولم يُلاحق عيدان قضائياً، وواصل لاحقاً عمله في اليونسكو ثم في شركة إنجي للطاقة.
وصف ماكرون بقاء عيدان في الخدمة بأنه غير مقبول، وأحال وزير الخارجية جان نويل بارو القضية إلى النيابة. في المقابل، نفت محامية عيدان جميع التهم، وقالت إن التحقيقات الأميركية والفرنسية السابقة لم تجد ما يستدعي ملاحقته.
عودة النقاش حول مواقف ثقافية وسياسية قديمة
أعاد سقوط لانغ سياسياً وإعلامياً التذكير بعريضة نشرتها صحيفة لوموند عام 1977 دفاعاً عن رجال اتُهموا باعتداءات جنسية على قاصرين. ووقّع العريضة عدد من المثقفين الفرنسيين، بينهم جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وجيل دولوز ورولان بارت، إضافة إلى جاك لانغ وبرنار كوشنير، وقد وصف لانغ توقيعه عليها عام 2021 بأنه حماقة.
كما استعاد المصدر وقائع تاريخية أخرى في فرنسا، منها فضيحة عُرفت باسم الباليه الوردي عام 1959، وحوكم فيها 23 شخصاً وأُدين 22، بينهم أندريه لو تروكيه، الرئيس السابق للجمعية الوطنية، الذي حُكم عليه بالسجن سنة مع وقف التنفيذ وغرامة مالية. وتناول المصدر أيضاً كتابات ومواقف بعض المثقفين الفرنسيين في القرن العشرين التي دافعت عن علاقات بين بالغين وقاصرين، ضمن نقاش أوسع حول سن الرضا والحقوق الجنسية بعد أحداث مايو/أيار 1968.
وتقدم هذه التطورات، بحسب الوقائع الواردة في المصدر، خلفية فرنسية أوسع لقضية إبستين، تجمع بين تحقيقات قضائية جارية، واستقالات سياسية وإدارية، ومراجعة إعلامية وثقافية لمواقف قديمة أثارت انتقادات لاحقة بسبب علاقتها باستغلال الأطفال جنسياً.
المصدر: الجزيرة نت



