جدل إسرائيلي حول وثيقة أمنية أعلنها نتنياهو قبل الانتخابات
إعلان عقيدة أمنية جديدة
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وثيقة أمنية جديدة قبل تسعة أيام من الانتخابات، تقوم على أولوية الهجوم الاستباقي والسعي إلى تفوق عسكري مطلق. وقدم نتنياهو حروب السنوات الثلاث السابقة بوصفها دليلا على فاعلية هذا التوجه.
وبحسب الوقائع المنشورة، لم تتجاوز الوثيقة صفحتين، لكنها أثارت سجالا سياسيا وإعلاميا واسعا بشأن ما إذا كانت تمثل تحولا إستراتيجيا في مفهوم الأمن الإسرائيلي، أم أنها إعلان انتخابي يهدف إلى الدفاع عن حصيلة الحرب وسياسات الحكومة.
مبادئ الوثيقة
نقل المراسل العسكري أمير بوحبوط في موقع والا أن الوثيقة تضمنت عشرة مبادئ، تبدأ بمنع امتلاك الخصوم أسلحة نووية عبر عمليات استباقية، وتعزيز الردع بالقوة النارية، والاعتماد على الإنذار الاستخباري لمنع المفاجآت، والمبادرة لتدمير قدرات الخصوم.
وتشمل المبادئ أيضا الدفاع عن الحدود والجبهة الداخلية وإنشاء مناطق عازلة، وتعميق التحالفات الإقليمية والدولية، والاستقلال في التسليح والتكنولوجيا، والعمل في مجال التأثير على الوعي، وتحقيق النصر عبر كسر قدرات الخصم وإرادته، إضافة إلى تعزيز التماسك القومي والهوية اليهودية والاستيطان.
وقال نتنياهو إن هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أنهى، في تقديره، صلاحية سياسة الاحتواء، وفرض الانتقال إلى منع التهديدات قبل اكتمالها، مع إعطاء الهجوم أولوية على الدفاع.
مقارنات مع مفاهيم الأمن السابقة
تستند بعض مبادئ الوثيقة إلى عناصر تقليدية في مفهوم الأمن الإسرائيلي، مثل الردع والإنذار والحسم، التي ارتبطت بالتصور الذي وضعه دافيد بن غوريون، قبل أن تضاف إليها أولوية الدفاع في مراجعة لجنة دان مريدور عام 2006.
غير أن الجدل يتركز على أن الوثيقة تمنح الوقاية والهجوم المستمر موقعا مركزيا، في مقابل المفهوم التقليدي الذي تعامل مع القوة العسكرية باعتبارها وسيلة لمنع الحروب أو تقليص مدتها.
وفي دراسة نشرها عوفر شيلح، رئيس برنامج سياسة الأمن القومي في معهد دراسات الأمن القومي، في 4 أغسطس/آب 2026، حذر من تحول إسرائيل إلى نموذج قائم على انخراط عسكري مفتوح وتوسع مناطق السيطرة، مع أعباء اقتصادية واجتماعية وتراجع في العلاقات الدولية.
كما رأى رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق تامير هايمان، في دراسة نشرها في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن التحول بدأ عمليا قبل إعلان نتنياهو، وأنه يعيد ترتيب العلاقة بين الأمن وهوية الدولة، مع تقديم الهوية اليهودية على الديمقراطية ومنح السيطرة الجغرافية والقوة العسكرية مكانة متقدمة.
اختبار النتائج على الجبهات
تعرض الوثيقة مبدأ تحقيق النصر وكسر قدرات الخصم باعتباره ركنا أساسيا. وقدم نتنياهو، بحسب تقارير إسرائيلية، اغتيال قيادات في حماس وحزب الله وضربات ضد إيران وتدمير قدرات عسكرية كإنجازات غيرت ميزان القوى.
لكن تصريحات نقلتها أنا براسكي في معاريف أفادت بأن نتنياهو أقر بأن الجبهات لم تغلق بعد، وأن استكمال ما يسميه النصر الكامل يتطلب مهمات إضافية.
وتظهر الفجوة بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية في غزة، حيث تواصل إسرائيل ربط إعادة الإعمار بنزع سلاح حماس، بما يشير إلى أن حسم مستقبل الحكم وإنهاء قدرات الحركة لم يتحققا وفق الشروط المعلنة. وفي لبنان، تسببت العمليات الإسرائيلية بأضرار لحزب الله، لكن استمرار التهديدات وقضايا الانسحاب وترتيبات الحدود يعني أن التفوق الناري لم يتحول إلى تسوية أمنية نهائية.
أما في الملف الإيراني، فترى الوقائع أن الضربات التي استهدفت منشآت وقيادات لم تنه التهديد في تقدير نتنياهو، الذي لا يزال يطرح إسقاط النظام كهدف إستراتيجي واحتمال استئناف الهجوم. وفي الضفة الغربية، تعزز العمليات والانتشار العسكري السيطرة الميدانية، لكنها تترافق مع أزمة سياسية وأمنية فلسطينية من دون تصور معلن لترتيب طويل الأمد.
انتقادات المعارضة وطريقة العرض
هاجم غادي آيزنكوت، رئيس حزب يشار ورئيس الأركان الأسبق، الوثيقة، معتبرا وفق تقرير إيتمار إيخنر في يديعوت أحرونوت أنها لا تقدم مضمونا كافيا وتتضمن شعارات. وقارن آيزنكوت بين الوثيقة وأهداف الحرب التي أعلنها نتنياهو، ومنها تفكيك قدرات حماس والجهاد الإسلامي، ومنع اتساع المواجهة الشمالية، والحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية، وتعزيز الوحدة الوطنية.
وادعى آيزنكوت أن عشرات الآلاف من المسلحين ما زالوا في غزة، وأن حزب الله يعيد بناء قدراته، وأن الأوضاع في الضفة تتدهور بينما يتعمق الانقسام الداخلي. وترد هذه التقديرات بوصفها مواقف سياسية لم تخضع كل تفاصيلها لتحقق مستقل.
وانتقد زعيم المعارضة يائير لبيد الوثيقة من زاوية سطحيتها، بينما ربط رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت مصداقيتها باستمرار حماس وأزمة تجنيد الحريديم، وفقا لتقرير ناداف إليميليخ في قناة آي نيوز24.
وامتد الجدل إلى إدارة الإحاطة الإعلامية. فقد ذكر الصحفي ساغي بن نون في هآرتس، في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن مكتب نتنياهو استبعد مراسلين عسكريين بارزين، ما دفع مراسلين آخرين إلى مقاطعة الإحاطة تضامنا معهم، ليحضرها من المراسلين العسكريين أمير بوحبوط فقط، بحسب التقرير.
وأثار المراسل أور هيلر، عبر منصة إكس، أسئلة حول سبب الانتظار ثلاث سنوات قبل طرح الوثيقة، وما إذا كانت أعدت عبر مسار مهني، أو عُرضت على المجلس الوزاري الأمني، أو نوقشت داخل المؤسسة العسكرية قبل إعلانها.
بين التحول الأمني والسياق الانتخابي
جاء الإعلان بعد أكثر من عام من دون مؤتمر مماثل، وقبل تسعة أيام من الاقتراع، وتضمن إلى جانب المبادئ الأمنية انتقادات مباشرة لآيزنكوت والمعارضة وتحذيرات من العودة إلى سياسة الاحتواء إذا خسر نتنياهو.
وبذلك تحولت الوثيقة إلى محور سجال بين من يراها محاولة لترسيخ عقيدة أمنية جديدة بعد هجوم 7 أكتوبر، ومن يعدها جزءا من معركة انتخابية تسعى إلى ربط استمرار نتنياهو بالنهج العسكري القائم. وفي الحالتين، تبقى الأسئلة المطروحة مرتبطة بمدى اعتمادها مؤسسيا وبقدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية وأمنية مستقرة.
المصدر: الجزيرة نت



