تقرير يستعرض ملامح التعليم والتصوف والإقطاع في المجتمع العثماني عبر «سياحتنامه»
قراءة في مشاهدات أوليا جلبي
عرضت الجزيرة نت، في حلقة ثانية وأخيرة عن الحياة الاجتماعية العثمانية الكلاسيكية، جوانب من مشاهدات الرحالة أوليا جلبي كما وردت في كتابه الموسوعي «سياحتنامه»، الذي دوّن فيه رحلات ومشاهدات امتدت نحو 40 عاماً في العالم العثماني ومحيطه.
وتناول التقرير أنظمة التعليم، والحياة الروحية المرتبطة بالتصوف والتكايا، ونظام الإقطاع العسكري والتجنيد وملكية الأرض، إضافة إلى إدارة الأقاليم وتقسيماتها.
التعليم بين المكتب والمدرسة
بحسب التقرير، ميّز أوليا جلبي بين «المكتب» بوصفه مؤسسة للتعليم الأولي أو الابتدائي، و«المدرسة» بوصفها مؤسسة تعليمية وثقافية رئيسية في الدولة العثمانية الكلاسيكية. وكان معلم المكتب يسمى «خواجة» أو «خوجة» بالتركية العثمانية.
وذكر التقرير أن التعليم الابتدائي كان واسع الانتشار في القرن السادس عشر، قبل أن يتراجع في قرون لاحقة، ولم يشهد نهوضاً جديداً إلا مع بداية عصر التنظيمات عام 1839. ورغم صدور أوامر سلطانية في عهدي السلطان سليمان القانوني والسلطان محمود الثاني بإلزامية التعليم الابتدائي، فإن التقرير يوضح أن الإلزام لم يُطبّق عملياً.
وشملت مواد التعليم الأولي القراءة والكتابة وتلاوة القرآن وحفظ بعضه والحساب الأساسي والمعارف الإسلامية الضرورية، ثم أضيفت لاحقاً مادتا التاريخ والجغرافيا. وفي بعض المكاتب الراقية بالمدن الكبرى دُرست الموسيقى والخط والفارسية، إلى جانب العربية أو التركية.
وأشار التقرير إلى أن التعليم في المكاتب كان مختلطاً بين البنات والأولاد، مع جلوسهم على مقاعد منفصلة وغطاء الرؤوس بوصفه جزءاً من السلوك المنضبط آنذاك. كما أورد أن عدد مدارس القاهرة وضواحيها أو مدنها المجاورة بلغ في نهاية القرن السابع عشر نحو 6176 مدرسة ومكتباً، مقابل 1993 مدرسة في إسطنبول من دون ضواحيها.
التكايا والطرق الصوفية
أفاد التقرير بأن الطرق الصوفية والتكايا كانت جزءاً بارزاً من الحياة الاجتماعية العثمانية، إذ وُجدت تكية واحدة على الأقل في كل قصبة، إلى جانب تكايا متعددة في المدن. وكانت هذه المؤسسات تؤدي أدواراً اجتماعية وتعليمية وروحية، وتقام فيها أحاديث علمية وفنية وتصوفية، كما تُعلّم فيها صناعات وعلوم وآداب ولغات.
ومن بين الطرق التي أوردها التقرير النقشبندية والقادرية والرفاعية والخلوتية والمولوية والبكتاشية. وذكر أن البكتاشية كانت واسعة الانتشار بين العامة والجند، بينما ارتبطت المولوية بالمثقفين، وأن الانكشارية كانوا بكتاشيين.
وأوضح التقرير أن التكايا اختلفت في أحجامها، من الزاوية إلى الدركاه ثم الآستانة، وأن لكل تكية شيخاً يتصل بسلسلة مشيخة ممتدة. كما أشار إلى وجود ساعات مخصصة للنساء في بعض التكايا، وإلى حضور مسيحيين عثمانيين بعض الاحتفالات بدافع الاطلاع، خصوصاً طقوس المولوية المرتبطة بالسماع.
الإقطاع العسكري والتجنيد
تناول التقرير نظام «تيمارلي سباهي»، وهو تشكيل من فرسان الأقاليم في الجيش العثماني. وبحسب العرض، لم يكن هؤلاء يتقاضون رواتب من الدولة، بل كانوا يديرون أراضي زراعية مخصصة لهم، ويجمعون خراجها ضمن حدود القوانين، مقابل المشاركة العسكرية مع عدد من الخيالة وتجهيزات تتناسب مع مساحة الإقطاعية ومحصولها.
وأشار التقرير إلى أن صاحب التيمار كان مسؤولاً أيضاً عن الأمن وقت السلم في الأراضي التي يديرها، وأن التعبئة العسكرية كانت تمر عبر تسلسل يبدأ بالسباهي ثم الزعيم فآمر الكتيبة فآمر اللواء وصولاً إلى قيادة أعلى في الولاية والجيش.
ونقل التقرير عن أوليا جلبي أن عدد جنود التيمارلي وجنود الرواتب في الدولة عام 1650 بلغ 566 ألفاً، من دون احتساب جيوش البلاد ذات الحكم الذاتي التابعة للدولة العثمانية ووحدات المتطوعين والمساعدة. كما ذكر أن هذا الصنف العسكري أخذ في التراجع منذ الربع الأخير من القرن السادس عشر، قبل إلغائه عام 1850.
الأرض والإدارة المحلية
ذكر التقرير أن نظام التيمار لم ينتشر خارج نواة الإمبراطورية في الأناضول إلا في إيالات روملي وإيالة الشام، وأنه لم يُعرف عن العرب انخراطهم في هذا النظام. كما عرض أمثلة لعشائر تركمانية استقرت في بلاد الشام واستعربت، بينها آل العظم، الذين نسبهم التقرير إلى أصول تركمانية وذكر أنهم شغلوا مناصب عثمانية بارزة.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن مصر لم تشهد تأسيس تشكيلات التيمار العثماني بسبب وجود نظام إقطاع عسكري سابق منذ أواخر العهد الأيوبي واستمراره في عهد المماليك.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن بنية الإدارة في المشرق العربي استقرت إلى حد كبير منذ عهدي المماليك والعثمانيين، من الإيالات إلى الألوية والأقضية والنواحي والقرى، مع ارتباط هذه التقسيمات بالعوامل العشائرية والسكانية والاقتصادية والاستراتيجية، وتغيرها أحياناً بإنشاء وحدات إدارية أو إلغائها أو نقل مراكزها.
المصدر: الجزيرة نت



