صلاح جديد من صعود البعث إلى سجن المزة: مسار ضابط حكم من الخلف
مسيرة بدأت من ريف اللاذقية
أوردت الجزيرة نت، استناداً إلى الفيلم الوثائقي «صلاح جديد.. حاكم في الظل» الذي بثته منصة «سوريا الآن»، أن صلاح جديد، المولود في قرية دوير بعبدة بريف اللاذقية عام 1926، ترك أثراً واسعاً في تاريخ المؤسسة العسكرية السورية وعلاقة الجيش بالسياسة، قبل أن ينتهي معتقلاً في سجون دمشق بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970.
ويتتبع الوثائقي، بحسب المصدر، بدايات صعود جديد منذ عام 1959، حين كان بين ضباط بعثيين سوريين اجتمعوا سراً في القاهرة خلال عهد الوحدة مع مصر، وهم صلاح جديد وحافظ الأسد وعبد الكريم الجندي وأحمد المير ومحمد عمران، وشكلوا ما عُرف لاحقاً باسم «اللجنة العسكرية».
من اللجنة العسكرية إلى مركز القرار
بعد انهيار الوحدة عام 1961، أُبعد جديد ورفاقه عن الجيش، لكن شبكتهم التنظيمية بقيت قائمة حتى انقلاب 8 مارس/آذار 1963، وفق ما يورده الوثائقي. وفي تلك المرحلة اختار جديد السيطرة على مكتب شؤون الضباط، وهو موقع أتاح له التأثير في إعادة تشكيل الجيش وتعيين الموالين.
ونقلت الجزيرة نت عن الباحث في التاريخ السوري الحديث أحمد مأمون قوله إن صلاح جديد كان من الشخصيات العسكرية التي أحدثت تحولات عميقة في الجيش السوري وفي علاقة الجيش بالسياسة والمجتمع.
الانتقال إلى الحزب وصراع النفوذ
في عام 1965، تخلى جديد عن منصب رئيس أركان الجيش ليتولى منصب الأمين القطري المساعد لحزب البعث. ويعرض الوثائقي هذه الخطوة باعتبارها انتقالاً إلى مركز القرار الحزبي، لا تراجعاً عن السلطة، استناداً إلى قناعة جديد بأن الحزب هو الإطار الأعلى لإدارة الدولة.
وفي 23 فبراير/شباط 1966، قاد جديد انقلاباً داخل حزب البعث أطاح بالقيادة القومية التاريخية ومؤسسي الحزب. وبحسب الباحث أحمد مأمون، اتسمت سياساته في تلك الفترة بالراديكالية البعثية والاشتراكية، في مقابل مسار مختلف لحافظ الأسد الذي كان يعزز نفوذه داخل القوات المسلحة.
هزيمة 1967 وتفكك التحالف
يعرض الوثائقي حرب يونيو/حزيران 1967 وسقوط الجولان بوصفهما محطة حاسمة في الخلاف بين جديد والأسد، إذ تبادل الطرفان الاتهامات بشأن مسؤولية الهزيمة والبلاغ العسكري المتعلق بسقوط القنيطرة. ووفق المصدر، كشف ذلك تراجع قدرة القيادة الحزبية على التحكم الكامل بالمؤسسة العسكرية.
وتفاقم الصراع لاحقاً مع تراجع نفوذ بعض أدوات جديد الأمنية، ومن بينها انتحار عبد الكريم الجندي عام 1969، بالتزامن مع توسع نفوذ الأسد في وسائل إعلام رسمية مثل صحيفتي «البعث» و«الثورة» وإذاعة دمشق.
أيلول الأسود وانقلاب 1970
بحسب ما أوردته الجزيرة نت، زادت أحداث أيلول الأسود عام 1970 في الأردن حدة الخلاف، بعدما أمر جديد بإرسال مدرعات سورية لدعم الفدائيين الفلسطينيين، بينما لم يوفر الأسد، وكان وزيراً للدفاع، الغطاء الجوي، ما أدى إلى خسائر ميدانية وانسحاب القوات.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1970، انعقد المؤتمر القومي العاشر لحزب البعث في دمشق، وحصل جديد على أغلبية حزبية، كما صدرت قرارات بعزل الأسد ورئيس الأركان مصطفى طلاس من منصبيهما العسكريين. لكن الوحدات الموالية للأسد تحركت في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1970 ونفذت ما سمي «الحركة التصحيحية»، فاعتُقل جديد ورئيس الدولة نور الدين الأتاسي وقيادات حزبية ونُقلوا إلى سجن المزة العسكري.
سنوات السجن والنهاية
قضى صلاح جديد 23 عاماً في المعتقل من دون محاكمة أو حكم قضائي، بحسب المصدر. ونقلت الجزيرة نت عن الباحث أحمد مأمون أن جديد رفض تقديم أي تنازل شخصي لحافظ الأسد رغم نصائح متكررة بالسعي إلى إجازة سنوية من السجن.
وفي 7 أغسطس/آب 1993، كتب جديد رسالة إلى ابنته وفاء على صفحة من رواية «مذلون مهانون» لدوستويفسكي، عبّر فيها عن شوقه لرؤيتها بعيداً عن الحراسة والرقابة. وبعد 12 يوماً، توفي داخل سجنه، وفق ما أورده المصدر.
ويخلص الوثائقي، كما تنقل الجزيرة نت، إلى مفارقة في سيرة جديد؛ إذ إن الرجل الذي ساهم في ترسيخ نفوذ حزب البعث والأجهزة الأمنية وإعادة بناء الجيش على أساس الولاءات، انتهى ضحية البنية ذاتها التي شارك في إرسائها.
المصدر: الجزيرة نت



