ثقافة وفن

تقرير للجزيرة نت يناقش تفسير تأييد جماعات لسلطات تضر بمصالحها

سؤال سياسي عن الطاعة والاختيار

تناول تقرير نشرته الجزيرة نت إشكالية تأييد أفراد وجماعات لسلطات أو أوضاع سياسية واجتماعية قد تسهم، بحسب التقرير، في استغلالهم أو قمعهم أو تهديد مصالحهم. وطرح التقرير هذا السؤال بوصفه تحدياً لفكرة أن الإنسان يختار سياسياً وفق حساب عقلاني مباشر لمصلحته المادية.

وأشار التقرير إلى أن التاريخ السياسي أظهر، في محطات متعددة، اصطفاف قطاعات شعبية خلف قوى سلطوية أو محافظة حتى عندما بدت سياساتها متعارضة مع مصالح تلك القطاعات. وربط ذلك بصعود السياسة الجماهيرية منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مع توسع المدن ودخول العمال والطبقات الوسطى المجال السياسي وانتشار وسائل الإعلام الجماهيرية.

أمثلة تاريخية على المفارقة

استعرض التقرير موجات سياسية عدّها كاشفة لهذه المفارقة، منها ما جرى في ألمانيا بين عامي 1918 و1919، حيث لم يؤد تفاقم الاستغلال، وفق عرضه، إلى انحياز تلقائي للعمال نحو الثورة. كما أشار إلى تجربة مجالس المصانع في تورينو بين عامي 1919 و1920، التي بقيت محدودة التأثير وانتهت إلى تسويات ضيقة.

وبحسب التقرير، تمكنت الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية لاحقاً من تعبئة قطاعات واسعة، كما وجدت النزعة العسكرية القومية في اليابان سنداً جماهيرياً منذ مطلع الثلاثينيات. ولفت أيضاً إلى وجود حركات فاشية في بريطانيا والولايات المتحدة جذبت آلاف المؤيدين، مع الإقرار بأنها استفادت من دعم نخب اقتصادية وعسكرية ومحافظة.

وتطرق التقرير إلى نماذج من الجنوب العالمي، بينها انقلاب تشيلي عام 1973 بقيادة أوغستو بينوشيه، بعد أزمات وإضرابات شاركت فيها نقابات وقطاعات من الطبقة الوسطى ضد حكومة سلفادور أليندي، وانتهى الانقلاب بمقتل الرئيس المنتخب داخل القصر الرئاسي فيما قيل إنه انتحار.

من الوعي الزائف إلى الهيمنة الثقافية

عرض التقرير تفسيراً ماركسياً يرى أن الوعي السياسي يتأثر بالبنية الاقتصادية والاجتماعية. وشرح تصورين للأيديولوجيا: الأول يعدها وعياً زائفاً تصنعه الطبقة السائدة لخدمة مصالحها، والثاني يراها عالماً من الأفكار والقيم لا ينعكس آلياً عن المصالح المادية.

ونسب التقرير إلى مفكرين ماركسيين مثل كارل كورش وجورج لوكاتش وأنطونيو غرامشي رفض القراءة الاقتصادية الآلية، معتبرين أن الأيديولوجيا ليست مجرد ستار يسقط بكشف الحقيقة، بل منظومة معانٍ وقيم تجعل النظام القائم يبدو طبيعياً أو ضرورياً. كما أشار إلى مفهوم الهيمنة الثقافية عند غرامشي بوصفه قدرة على تشكيل ما يعتبره الناس بديهياً.

وأضاف أن مدرسة فرانكفورت وسعت هذا النقاش، مشيراً إلى ماكس هوركهايمر الذي رأى أن النظرية النقدية لا تكتفي بتحليل الواقع، بل تنقد أيضاً الأشكال الثقافية والفكرية التي تدفع الإنسان إلى التكيف مع أوضاع قابلة للتغيير.

البعد النفسي في تفسير الخضوع

انتقل التقرير إلى التحليل النفسي باعتباره محاولة لفهم الحالات التي لا تكون فيها الجماهير مخدوعة تماماً، بل قد تعرف طبيعة السلطة القمعية ومع ذلك تنجذب إليها. ووفق هذا الطرح، لا تقتصر السلطة على حجب الحقيقة، بل تسهم في إنتاج شخص يجد في الخضوع شعوراً بالأمان، ويرى في القائد صورة للقوة المفقودة.

واستعرض التقرير أفكار سيغموند فرويد عن اللاوعي والكبت وتقسيم النفس إلى الهو والأنا والأنا الأعلى، إضافة إلى رؤيته في كتابه قلق في الحضارة بأن قيام الحضارة يتطلب تقييد الرغبات وتوجيه الطاقة الغريزية نحو العمل والفن والعلم والمؤسسات، مع ما ينتج عن ذلك من حرمان وشعور بالذنب.

وأشار التقرير إلى اعتراضات ماركسية على هذا التصور، باعتبارها رأت فيه ميلاً إلى تحويل المعاناة الاجتماعية إلى مشكلة نفسية فردية، مع أن الظلم قد يكون قائماً في شروط العمل والمجتمع نفسها.

رايخ والشخصية التسلطية

ركز التقرير على فيلهلم رايخ بوصفه من أوائل من حاولوا الربط بين نقد الاستغلال ونقد الكبت. وذكر أن رايخ رفض تفسير صعود النازية بخداع هتلر للجماهير فقط، معتبراً أن الدعاية تنجح لأنها تلاقي مخاوف ورغبات وإحباطات موجودة مسبقاً وتمنحها لغة وهدفاً.

وبحسب التقرير، رأى رايخ أن القائد السلطوي يخاطب جمهوره عبر صور متناقضة؛ فهو قد يظهر كأب حازم، ورجل من عامة الشعب، وبطل استثنائي، وضحية للمؤامرات، وممثل للأمة. وأوضح التقرير أن هذه التناقضات لا تضعف بالضرورة أثر الخطاب ما دام قادراً على إثارة الخوف والغضب والفخر.

كما عرض التقرير اهتمام رايخ بالطبقة الوسطى الدنيا، مثل صغار التجار والموظفين والمزارعين وأصحاب الأعمال الصغيرة والمهنيين محدودي المكانة، بوصفها طبقة تخشى الهبوط الاجتماعي وتسعى إلى الصعود، ما قد ينتج، بحسب هذا التحليل، ميلاً إلى الخضوع لمن هم أعلى والتشدد مع من هم أدنى.

وختم التقرير بالإشارة إلى دراسة قادها تيودور أدورنو وفريق من الباحثين في الولايات المتحدة، ونشرت عام 1950 في كتاب الشخصية التسلطية، بوصفها منحت هذا النمط اسمه الشائع. كما استحضر طرح فرويد في علم نفس الجماهير وتحليل الأنا بشأن ارتباط الجماعة بمثل أعلى مشترك، قد يكون عقيدة أو وطناً أو قائداً، يمنح الأفراد شعوراً بالانتماء والقيمة.

المصدر: الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

⚽ مباريات زول نت