بعد أن تضع الحرب أوزارها ينبغي العمل على إرساء قواعد دولة الحكم الرشيد في السودان ✍️ البروفيسور : فكري كباشي الامين العربي.

أعتقد ان أهم الدروس المستفادة من هذه الحرب اللعينة وما خلفتة من دمار مادي ونفسي أهمية الإتفاق بين جموع الشعب السوداني إلى الالتفات إلى بناء الدولة الحديثة القائمة على مباديء وقواعد الحكم الرشيد والتي تقوم على اسسس الحرية والسلام والعدالة والشفافية والتميز الإيجابي والتخطيط الإستراتيجي القومي الشامل المستند على البحث العلمي بالاستفادة القصوى من الموارد المادية والبشرية المتاحة دون التعويل على الخارج ووعود المجتمع الدولي , وأعتقد وحسب ما أرى ان هذا ما أجمعت علية كل القوى الوطنية الحية والشرفاء من ابناء السودان والذين ظلوا مرابطين في أحلك الظروف ، باعتبار أن هذة الازمة والتي اختتمت بالحرب اللعينة سوف تكون آخر محطات الفشل والذي لازمنا منذ فجر الاستقلال ، ان الحكم الرشيد مصطلح سياسي يُستخدم في أدبيات التنمية الدولية لوصف قدرة الكيانات السياسية (الحكومات/ المؤسسات الوطنية) على إدارة شؤون البلاد بحكمة وكفاءة وجودة تضمن للدولة البقاء، وللشعب الرفاهية والقدرة على التنمية في كافة مجالاتها.
أما الخصائص الرئيسية للحكم الرشيد فتتلخص في:
اولا : المسؤولية والرقابة :
ان الحكومة الرشيدة يجب ان تخضع للمسائلة والرقابة الشعبية بمبادرة منها ، والحكومة المحلية مُلزمة بالإبلاغ عن نتائج القرارات التي اتخذتها نيابة عن المجتمع الذي تمثله، وشرحها، والإجابة عن أي أسئلة تخصها وتحمل مسؤولية نتائجها.
الشفافية وتمكين الشعب من متابعة وتفهم نتائج القرارات الحكومية المُتخذة من خلال تقارير دورية متخصصة وشاملة، ومدى تطبيق البنود الدستورية، إلخ.
ثانيا : ترسيخ قواعد التشاركية والتواصل : يجب أن يكون للشعب صوت في صنع القرارات المهمة، وذلك إما بصورة مباشرة، بل وإعطاء الفرص للشعب لتقديم توصيات طبقاً لرؤياهم، وذلك عن طريق مؤسسات وسيطة شرعية تمثل مصالحهم، كمجلس النواب وأيضاً من خلال التواصل الإعلامي بكافة وسائله، واستطلاعات الرأي بواسطة مراكز الأبحاث المتخصصة وغيرها.
ثالثا : سيادة القانون : ويعني توافق القرارات الحكومية مع الدستور والقانون العام والتشريعات المُستجدة ذات الصلة، كما يُعني تطبيق القانون في كافة الأمور على الجميع بحياد تام ودون إستثناءات.
رابعا : الاستجابة والتجاوبة :
وينبغي أن تحاول الحكومة المحلية دائما تلبية احتياجات المجتمع بأسره مع تحقيق التوازن بين المصالح المتنافسة والعمل على إذابة أي تناقض بينها (مثلاً: كالتنافس بين الأمن وحقوق الإنسان، وبين الإصلاحات وزيادة الضغوط والأعباء على عامة الشعب، وبين تنشيط السياحة وزيادة الإستثمارات وزيادة القيود على الإستثمارات والقيود الأمنية، إلخ)، وذلك في ظروف وبطريقة ملائمة ومتجاوبة.
خامسا : تحقيق قواعد العدالة الاجتماعية الشاملة : وتتحقق بتنامي رفاهية المجتمع بكافة فئاته، أي بشعور الشعب بكافة فئاته، خاصة أشد الفئات ضعفا، بالاستفادة المتكافئة من الخدمات المُستحقة علىا الحكومة من تعليم وعلاج وبنية تحتية وغيرها.
سادسا : ترسيخ قواعد الفعالية والكفاءة : يجب على الحكومة المحلية تنفيذ القرارات ومتابعة العمليات التي تستفيد بشكل أفضل من الأشخاص والموارد والوقت والظروف المتاحة، لضمان أفضل النتائج الممكنة لتنمية مجتمعهم.
سابعا : الوعي الجمعي
فالحكومة الرشيدة تتوسط المصالح المختلفة للتوصل إلى إجماع واسع حول ما هو في صالح المجتمع كلما أمكن بشأن السياسات والإجراءات الصائبة. ولا شك أن أخطر تهديد قد يواجه أي دولة هو اضطراب وتدهور الوعي الجمعي لشعبها بمختلف توجهات، والذي نتيجة للبعد عن سبل العلم والمعرفة الحقيقية والتفكر يؤدي لانهيار القدرات على الابتكار والإبداع من جانب، وإلى كثرة الجدل والخلاف الأجوف والانقسام المجتمعي من جانب آخر. ومن أهم سبل انهيار الوعي الجمعي تحرك المنصات الإعلامية للحكومات غير الرشيدة والإعلام الفاسد وأدوات طرح الرأي كمواقع التواصل الاجتماعي لحشد الرأي العام في اتجاه الخلاف والكراهية والتناحر. وفي اتجاه تمييز مؤسسات بعينها والاستهانة بالمؤسسات الأخرى. وفي اتجاه تعظيم أشخاص بعينهم، بل وشخصنة كل الأمور مع تجاهل شديد للمواقف والحقائق والمناهج العلمية، مما يحشد الإرادة الشعبية في اتجاه حب النجاح من أجل الفرحة دون موضوعية، وليس تناول أدوات النجاح وانتهاج آلياته العلمية والقدرة على تحديد وتحقيق الأهداف المرجوة.
ثامنا : وضع والتنفيذ خطة استراتيجية قومية شامله : يجب على الدولة قادة وشعباً أن يكون لديهم منظور واسع الأفق وطويل الأجل بشأن الحكم الرشيد والتنمية البشرية وبما يكون الرؤية الإستراتيجية، كما يجب أن يكون لديهم الوعي اللازم لتحقيق هذه الرؤية، والمقدرة على تفهم الأبعاد التاريخية والثقافية والاجتماعية التي تقوم عليها.
وذلك بمثابة نداء للوطنين الاحرار والتأكيد على أن الحصه وطن باعتبار ان الوطن يمثل القاسم المشترك بين جميع مكونات المجتمع السوداني وينبغي الإجماع على صون وحدته وحقن دماء كل أبناء شعبة بمختلف توجهاتهم الفكرية وانتماءتهم واثنياتهم ومناطقهم الجغرافية … ولكن تسارع الاحداث وتطورها بينت ان الوطن تكالبت علية المحن وتكاثرت الخطوب وصار مثخن الجراح واختلط الحابل بالنابل بعد اندلاع هذه الحرب اللعينة والتي دخلت عامها الثاني ، والواجب الأخلاقي والأكاديمي والمهني بعد التعرض للمآسي والارواح التي اذهقت والدماء التي اهرقت والعروض التي انتهكت والاملاك التي فقدت كل ذلك يقتضى اعادة تقييم الأمور والنظر من الزاوية القومية في تشخيص الحال وتجاوز الذات والانتصار للوطن … وهذا مربط الفرس … ويجب على القوى الفاعلة في المجتمع السوداني العمل معا في المكونين المدني والعسكري وأعتقد انه في السودان يوجد العديد من القوى السياسية الفاعلة والمؤهلة مهنيا وأخلاقيا والذين هجروا الانتماءات السياسية وظلوا يجلسون على الرصيف والبلد في أمس الحوجة الى مشاركتهم في بناء الدولة الحديثة ، كما اعتقد من الاهمية بمكان لابد من الإجماع الوطني حول القضايا الملحة المتمثلة في حفظ الأمن والاستقرار بعودة الفارين من جحيم الحرب اللعينة ، وكذلك توفير سبل العيش الكريم وتحقيق تكوين دولة الحكم الرشيد باشتراك جميع القوى الفاعلة في المجتمع والحفاظ على وحدة البلد والذي يمثل أهم الأولويات ، وذلك بالحفاظ على وحدة وقومية الدولة التي أصبحت في قمة الهشاشه لا تتحمل اية هزات عنيفة واضعين في الاعتبار التربص الخارجي ، واعتقد أن المخرج الموضوعي والجذري يتمثل في تكاتف الجهود في العمل على إرساء قواعد الحكم الرشيد .
أ.د فكري كباشي الامين العربي.
١ ابريل ٢٠٢٥م.